السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

149

مختصر الميزان في تفسير القرآن

الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضيه اللّه لعبده في جميع أموره كما قال اللّه تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ( آل عمران / 19 ) ، فظهر : أن مقام الاصطفاء هو مقام الإسلام بعينه ويشهد بذلك قوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ الآية ؛ فإن الظاهر أن الظرف متعلق بقوله : اصْطَفَيْناهُ ، فيكون المعنى أن اصطفاءه إنما كان حين قال له ربه : أسلم : فأسلم للّه رب العالمين فقوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، قال أسلمت لرب العالمين ، بمنزلة التفسير لقوله : اصْطَفَيْناهُ . وفي الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة في قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ، ولم يقل إذ قلنا له أسلم ، والتفات آخر من الخطاب إلى الغيبة في المحكي من قول إبراهيم : قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، ولم يقل : قال أسلمت لك اما الأول ، فالنكتة فيه : الإشارة إلى أنه كان سرا استسر به ربه إذ أسره إليه فيما خلى به معه فإن للسامع المخاطب اتصالا بالمتكلم فإذا غاب المتكلم عن صفة حضوره انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلم من الشأن والقصة ستر مضروب ، فأفاد : أن القصة من مسامرات الانس وخصائص الخلوة . واما الثاني : فلأن قوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ ، يفيد معنى الاختصاص باللطف والاسترسال في المسارة لكن أدب الحضور كان يقتضي من إبراهيم وهو عبد عليه طابع الذلة والتواضع أن لا يسترسل ، ولا يعد نفسه مختصا بكرامة القرب متشرفا بحظيرة الانس ، بل يراها واحدا من العبيد الأذلاء المربوبين ، فيسلم لرب يستكين اليه جميع العالمين فيقول : أسلمت لرب العالمين . والإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد ، من السلم ، وأحد الشيئين إذا كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلم واستسلم له ، قال تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ( البقرة / 112 ) ، وقال تعالى : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ( الأنعام / 79 ) ، ووجه الشيء ما يواجهك به ، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام